على سبيل التقديم:
طالما ظل المغرب وعبر تاريخه الطويل متأثرا بالمتغيرات السياسية المختلفة التي عادة ماتم تصويرها من قبل المصادر المغربية التقليدية كسيرة تاريخية واضحة للماضي المغربي، غير أن تركيز هذه المصادر على الروايات السياسية للوقائع الحربية والتمركز في ظل السلطة بذل الهوامش وغيرها من الاعتبارات جعل منها مادة لاتعكس الجوانب العميقة والمساهمة بنصيبها في تشكيل هذا الماضي. البعيد والقريب، فكانت مناقشتها لمواضيع مثل الأزمات الطبيعية ضحلة وعامة، فبالرغم من أهميتها إلا أنها لا تستجيب للنهم العلمي للباحث الأكاديمي المعاصر ومعاييره المنهجية في مسائلة هذه المصادر بمعطياتها الشحيحة في هذا الجانب وبوصفها المقتضب لهذه المواضيع. هذا الواقع الأسطغرافي يحث الباحثين في مواضيع الأزمات الطبيعية بتاريخ المغرب والتي تجلت على شكل أوبئة فتاكة ومجاعات مدمرة سببتها التعاقبات الدورية للجفاف، يحثهم على توسيع أفق البحث والتنقيب في مصادر أخرى تمكنهم من تسليط الضوء على هذه الجوانب المعتمة من تاريخ المغرب خاصة خلال فترة ماقبل الاستعمار. وفي هذا الصدد أمكننا التذكير ببعض المساهمات القيمة لمؤرخين مغاربة معاصرين تطلعنا أبحاثهم على مثل هذه النواقص التي تعتري المصادر الإخبارية، وفي ظل هذه النواقص استعانو بمؤلفات الرحلات والتراجم وذخائر الأدب الفقهي والوثائق المغربية القابعة في الخزانات الوطنية وكذا بعض الوثائق الأجنبية التي توفرها ربائض الأرشيف الأجنبية. فحين اطلاعنا على أهم الدراسات المنجزة في مواضيع الأزمات الطبيعية وتاريخ الأوبئة والمجاعات كتلك التي أعدها المؤرخ المغربي "محمد الأمين البزاز" حول القرنين 18 و19م ¹. تتجلى لنا الصعوبات السالفة الذكر ومخرجات تجاوزها. كما يظهر لنا عمق مساهمة الأزمات الطبيعية في توسيع الهوة وتعميق حيزها بين المغرب وأوروبا. وبالتالي فقد كانت مثل هذه الأزمات منتظمة ضمن عوامل التأخر التاريخي والبنيوي التي مهدت السبل نحو التغلغل الرأسمالي والاستعماري بالمغرب قبل أن تفرض عليه معاهدة فاس لسنة 1912م. هذا دون إغفال دور الكوارث الطبيعية وتجلياتها كطواعين وأوبئة وفيضانات في تطور الاضطرابات الداخلية من "ثورات" قبلية تعقب إحساس القبائل بتهديدات مختلفة كثيرا ماتتزامن مع هذه الكوارث وتبعاتها التي سجلت الوثائق التاريخية باختلافها مدى تعميقها للبؤس والفاقة خصوصا في صفوف الفئات الهشة للمجتمع المغربي.
وسنحاول من خلال هذه النبذة توضيح بعض أوجه مساهمة الأزمات الطبيعية في بناء الأحداث التاريخية الحاسمة في محطات من تاريخ المغرب خلال القرن 19م. مع رصد بعض مظاهر هذه الأزمات وانعكاساتها العامة على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لمغرب القرن 19م.
أولا: تمظهرات الأزمات الطبيعية في تاريخ المغرب خلال القرن 19:
تعددت الأزمات الطبيعية التي كان قد شهدها المغرب خلال القرن 19، وتجلت وفق العديد من الأشكال التي كان من أهمها معاناة البلد المزمنة من مواسم الجفاف والقحط ومايعقب ذلك من استفحال الأزمات الغدائية أثرت كثيرا في الأوضاع المعيشية للسكان، وكثيرا ما وجدت الطواعين والأوبئة تربتها الملائمة للنمو في هذه الأرضية. وسنتتبع بعض هذه الأزمات كما سوف نصنفها حسب طبيعتها الخاصة وسنوات استفحالها:
- الطاعون في المغرب خلال القرن 19:
شهد المغرب نوعا من الانتعاش الاقتصادي خلال مرحلة حكم المولى محمد بن عبد الله في أواخر القرن 18م، حيث نهج هذا السلطان المصلح سياسية اقتصادية منفتحة دل عليها تكاثر السفن الأجنبية على الموانئ المغربية، غير أن سنوات الوفرة لن تستمر طويلا بعد وفاته سنة 1789م. فلم يمضي الكثير من الوقت حتى أفادت التقارير الطبية أن مدينة طنجة قد نكبت بالطاعون سنة 1799م، بعد أن تفشى في مدن مغربية أخرى². تتوافق هذه التقارير مع رواية محمد الضعيف الذي يسرد وقتذاك خبر الوباء الذي كان في «فاس الجديد وقصبة اشراكة في أولاد جامع وكثر الموت في الناس»³. فكثرة الأموات التي يتحدث عنها الضعيف تغري بافتراض ظهور الطاعون قبل سنة 1799م، وهذا ما تؤكده روايات مغربية أخرى لعبد السلام بن سليمان الفشتالي عندما «فشا الطاعون بالمغرب أول ماظهر بقبيلة لوداية حتى فنى ماشاء الله بمحلتهم ... ودخل القصبة وفاس الجديد منتهى جمادى الثانية عام تلاث عشر ومائتين وألف (دجنبر1798)...»⁴. إذن مما سبق فقد ظهر هذا الطاعون في أواخر سنة 1798 م، وبلغ ذروته خلال السنة الموالية. أما عن طبيعة هذا المرض فهو طاعون تكشف عنه بعض المصادر المعاصرة له، حيث يتحدث "المشرفي" عن الأعراض المصاحبة له، كالدماميل والقيء والإسهال، ويصفه القنصل الإنجليزي "دجاكسون" بقوله « إن المريض الذي تأخده القشعريرة ولم تكن تظهر عليه الدماميل، كان يموت في ظرف 24 ساعة، وكانت جتثه تتعفن بسرعة» وتدل هذه الأعراض عن الطاعون الرئوي⁵.
وقد انتشر هذا الطاعون بسرعة في انحاء المغرب حيث ساهمت تحركات وحملات السلطان المولى سليمان بالجيوش المرافقة له في نشره إذ «لم يكن بدكالة وعبدة وأحمر وغيرهم حتى دخل السلطان ببلادهم»⁶. وكانت الخسائر البشرية التي خلفها هذا الطاعون تقدر حسب التقارير الأجنبية بأعداد كبيرة، ففي الرباط فقط كانت الوفيات تتراوح بين 170 و520 ضحية في اليوم حسب مراسلات ترجع لسنة 1799م. وتشير مراسلات القنصل الأمريكي "سيمبتون" تعود بدورها لهذه السنة إلى 500 ضحية في اليوم بمدينة مراكش. وتزودنا المصادر المغربية ببعض المعطيات ولو بشكل تعميمي حول أعداد الضحايا حيث أورد المختار السوسي انقراض أسر بأكملها في الجنوب المغربي، مايشي بفداحة الخسائر على المستوى البشري. وكان الناس في المدن الجنوبية يلقون بالجتث في حفر كبيرة، ويفرغ الميسورين مطاميرهم لتوزيع ماتختزنه على الفقراء تمهيدا لجعلها مقرهم الأخير⁷. ولم ينحصر هذا الطاعون إلا في سنة 1800م.
لكن فقط بعد مرور 15 سنة، أي في سنة 1815 دخل الطاعون من جديد إلى المغرب بعد دخول سفينة موبوءة إلى طنجة، كانت تضم الأمراء المغاربة العائدين من موسم الحج، لذلك فقد أجمعت المصادر الأجنبية والمغربية أن الوباء قد انطلق من طنجة وبدأ في اكتساح دورها وأحيائها.
انتشر الطاعون في بداية الأمر بالسواحل ثم توغل بالدواخل، وتحدث صاحب "الروضة السليمانية" عن انتشاره هذا في « السواحل ومنها شاع في الحواضر والبوادي إلى أن بلغ فاس ومكناس واستمر بقية العام إلى تمامه»⁸. وحين وصل إلى الجنوب المغربي ألمت بالمنطقة وضعية بئيسة يصفها لنا "كوشولي" متحدثا عن قرية أيت باعمران إن «كثيرا منها كانت مهجورة من طرف سكانها، وقد أخبرت أن الطاعون فتك بها خلال وقت قريب، وأن العدد القليل ممن نجا من العدوى نزح عنها إلى جهات أخرى»⁹. وتفشى كذلك في الكثير من القرى الجبلية كقرية "إينولتان" في سفوح جبال الأطلس الكبير كما تفيد مونوغرافية أحمد التوفيق¹⁰.
- نماذج من المجاعات والأزمات الغدائية خلال القرن 19:
في سنة 1824 جاء المحصول الزراعي دون المعتاد وسببت البرودة والأمطار الطوفانية في خريف هذه السنة الكثير من الخسائر الجسيمة خاصة بمدينة فاس، وبعدها سوف تنقطع الأمطار ليحل الجفاف بربوع البلد لتشتعل الأسعار في بداية يونيو 1826م. وحاول المخزن الممثل في السلطان "عبد الرحمان بن هشام" التخفيف من تبعات هذا الجفاف وحدة المجاعة لتكثيف عمليات استيراد المؤن من الخارج، غير أن الصعوبة كانت تكمن في شحن هذه المواد من الموانئ إلى المناطق الداخلية بعد هلاك عدد كبير من الدواب وانتشار ظاهرة قطاع الطرق. ونظرا لاستفحال المجاعة خاصة في القرى غادرت الكثير من الأسر مناطقها الأصلية للبحث عن الأقوات في المدن، ووصل الأمر ببعض الجائعين حد التهام الكلاب كما يقول الرحالة "بروك"، وهو نفس مايرويه صاحب "الابتسام" إذ إنه « في هذه المسغبة أكل الناس الكلاب والقطط والجيف»، ولحسن الحظ فقد عاد التحسن إلى المجالات المغربية خلال أواخر سنة 1826. بعد أن تساقطت الأمطار، لكن ليس قبل أن أودت هذه المجاعة بجزء ديموغرافي كبير من المغاربة¹¹.
ولكن استمرت أزمات الجفاف الدورية كأهم الأزمات الطبيعية التي جابهت المغرب خلال القرن 19. فجاء محصول سنة 1846 م دون المتوسط المعتاد بسبب نفس الظاهرة، وأجبر السكان على إفراغ مطاميرهم واستهلاك مخزوناتهم من الطعام وارتفعت الأسعار بشكل مهول وفي ظرف قياسي، حيث وصل سعر بعض الحبوب في فاس إلى 20 أوقية للمد كما يخبرنا صاحب "التذكرة"¹². وبسبب هذه الأزمة الغدائية نظم المنكوبين عمليات نزوح مكثفة نحو المدن، وحاول المخزن تنظيم عمليات إغاثة في حق هؤلاء « جبرا لحالهم (لتفريق الهبات) عليهم دراهم يشترى بها قوت يوزع على أهل الفاقة» كما جاء في أحد رسائل السلطان عبد الرحمان بن هشام تفاعلا مع هذه المسغبة¹³. وتمخضت الكثير من الظواهر السلبية بين أحضان المجتمع المغربي جراء هذه المجاعة مثل قطع الطرق بسبب غياب الأمن والحراسة، والتسول بالمدن، ولجوء البؤساء إلى أكل الجيف والميتة والحيوانات، وقد احتفظ لنا الفقيه "التناني" عن مظاهر هذه المأساة بكلمات بليغة حيث « قد وقع الجوع الشديد في عام 1267 (للهجرة) فتمادى إلى ثمانية وستين وإلى تسعة وستين، وصار الغلاء الكثير في الحبوب... وقل المال في الساعة واشتد الجوع على الناس. حتى يأكل الناس الحشيش والربيع والنبات والنخل وغير ذلك مما يمكن أكله ... وكثر الهرج والقتال بين الناس، يقطعون الطرق، ويهجمون على المنازل»¹⁴. كانت هذه المجاعة إذن طاغية أودت بحياة الآلاف من المغاربة، ولم ينفرج الحال إلا مع تساقط الأمطار سنة 1851م. أي أن البؤس والفاقة التي صاحبت المجاعة الناتجة عن أزمة الجفاف صاحبت المغاربة طيلة أربع سنوات.
- وباء الكوليرا في تاريخ مغرب القرن 19 من خلال بعض النماذج:
تفشى وباء الكوليرا في مختلف أنحاء العالم وكانت مراكز انتشاره الأولى في منطقتي البنغال والنيبال بآسيا، ليتخد بعدها هذا الوباء صبغة عالمية حيث وصل إلى أوروبا ومنها نحو بلاد المغارب. وتم الإعلان الرسمي عنه في المغرب سنة 1834م بعدما ازداد أعداد الوفيات بفاس ثم طنجة، ومن المرجح أنه دخل إلى المغرب من المناطق الشرقية رغم بعض إجراءات الحجر الصحي التي يظهر عدم تعميمها على كل البلاد. وتحدث المؤرخون المغاربة عن طبيعته حيث وصفه الناصري ب "الوباء" كما اجتهد صاحب صاحب "الابتسام" في تحديد ملامحه، « وهو ريح ماسمعوا به قاتل من حينه ويسمونه عندنا في المغرب بأسماء الكوليرا والريح الصفر وبوقليب. إذا أصاب الرجل تغير لونه واسود جفن عينيه ويجعل يقيء من أعلى ويسهل من أسفل، ومن الناس من يشتكي مع ماذكر وجع رجله و يموت في الحين»¹⁵. وكان انتشار هذا الوباء بطيئا ولا يمكث طويلا في المناطق التي يفتك بها، غير أن خطورته تكمن في دوراته المتكررة على البلاد إذ سيعود في موجات أخرى طالما تزامنت مع الجفاف والأزمات الغدائية مايسهل عليه عملية الفتك¹⁶.
وبالفعل عادت موجة أخرى من الكوليرا سالكة طريقها إلى المغرب عبر الجزائر، وكانت مدينة فاس هي ضحيتها الأولى في 7 نونبر 1854، وكانت هذه الموجة أشد فتكا من الأولى حيث تتحدث المصادر المغربية عن مئات الضحايا في اليوم كما تنقل فزع الناس وهروبهم إلى المدن ولو أن الوباء ظل يرافقهم في الطريق، فقد «مات به أثناء الطريق جم غفير وعدد كبير»™كما قال المشرفي¹⁷. ووصف "الناصري" أعراض هذا المرض « وهو إسهال مفرط يعتري الشخص ويصحبه وجع حاد في البطن والساقين ويعقبه تشنج وبرودة واسوداد لون»¹⁸.
وانحصر الوباء أخيرا سنة 1855 م لكن بعد أن اودى بحياة عشرات من الضحايا. غير أنه عاد في دورة أخرى بعد خمس سنوات تزامنا مع حملة الإسبانيين والفرنسيين على تطوان وبني ايزانسن، حيث كانت الجيوش الإسبانية والفرنسية هي التي نقلت العدوى إلى المغرب هذه المرة، ولم يتجاوز خلال دورته لسنة 1860 م نهر أم الربيع، لكنه في المقابل استفحل في المناطق الشمالية الداخلية والساحلية للبلاد مثل : فاس و الريف و تطوان وسبتة... ¹⁹.
كانت هذه أهم الأزمات الطبيعية التي واجهت المغرب خاصة خلال النصف الأول ونيف من القرن 19م، ولم تتوقف في حدود هذه الفترة الزمنية بل امتدت لتسري على محطات هامة من النصف الثاني من هذا القرن، فقد تجلت وتفشت الكوارث المختلفة التي انتظمت خلال دورات زمنية اشتدت وطئتها على الفئات الهشة من المجتمع المغربي تزامنا مع الصعوبات الاقتصادية التي كرست بدورها لذلك الخلل المزمن في هياكل المخزن المغربي، وذلك بفعل تسرب الرأسمالية الأجنبية إلى بلد ماقبل رأسمالي. وكانت كارثة (1867- 1869م)²⁰ أبرز هذه الأزمات بما حملت معها من أزمة غدائية سبب فيها الجفاف وهجوم الجراد على المحاصيل تزامنا مع تفشي وباء الكوليرا الذي وجد تربة مناسبة للفتك. وتجددت المسغبة في المرحلة الزمنية الفاصلة بين سنتي 1878 و 1883م خلال عهد الحسن الأول، وتجلت تبعاتها الملموسة في هلاك الدواب وغلاء أسعار الحبوب، وبحث الفلاحون والفقراء خلال ذلك الوقت عن الجذور والحشائش لسد الرمق وتمويه الجوع²¹.
ثانيا: تأثير الأزمات الطبيعية على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في المغرب خلال ق 19م:
كانت عواقب هذه الأزمات جد وخيمة على البلد، وتتجلى خصوصيتها في التزامن مع التسرب الأوروبي الذي أضعف الدولة المغربية وأضر بمصالح السكان في معيشهم اليومي، يتمثل التسرب في الأساس من خلال معارك مثل إيسلي سنة 1844م وتطوان سنة 1859-60 م مع كل من فرنسا و إسبانيا، والاتفاقية التجارية التي وقعها المغرب مع انجلترا سنة 1856، والتي أعلنت عن تسرب واضح للرأسمالية الغربية إلى بنية متوجسة أنهكتها الأزمات ونخرتها التصدعات من كل الجوانب، ومجتمع سيتعمق بؤسه الاقتصادي في ظل الأزمات الطبيعية المتتالية من جفاف دوري ومجاعات منهكة وأوبئة فتاكة، وسنتتبع بعض تلك الانعكاسات التي مهدت لها الأزمات الطبيعية التي أترث على البنيات المختلفة للمغرب خلال القرن 19م، أي على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
- فعلى المستوى الاجتماعي:
شكلت الانهيارات الديموغرافية التي تعقب هذه الأزمات أهم هذه النتائج الاجتماعية، فعادة ما يعاين الملاحظين تلاشي أعداد كبيرة من السكان، إذ لاحظ مثلا "بوميي" هذه الظاهرة « فخلال أيام بكاملها ينتقل المرء في جميع الاتجاهات وعبر أخصب الأراضي دون أن يصادف أي مخلوق...»، ولم تميز هذه الكوارث خاصة وباء الكوليرا بين الأغنياء والفقراء حيث سجل فتكها بحياة الأمير "مولاي أحمد" وبنسبة مهمة من أعيان فاس وجملة من الأوروبيين ²². وأضرت بالوضعية المعيشية للفئات المستضعفة من المغاربة وساهمت بتفقيرهم وتشريدهم، ولكن في المقابل تجذر الإشارة إلى أن الأزمات القاتلة خلقت بعض فرص الإثراء السهل والسريع لفائدة الناجين من الطواعين والأوبئة بفعل تملك الممتلكات الخاصة بالمنكوبين من الأموات، فأحد أعيان سوس يدعى "محمد الدياني" استحوذ على الكثير من ممتلكات أخواله المجتاحين من الوباء كما نقل المختار السوسي، وانتشرت ظواهر مماثلة في الكثير من المناطق المغربية مثل قرية إينولتان حيث كانت « الأسر الكبيرة معرضة للانقراض بسبب الأوبئة ... وبتملكها أو انقراضها يعرض ماجمعته إلى الانتقال للغير» ²³. لكن وعلى مستوى آخر فكثيرا ماكرست الأزمات الطبيعية الانقسام بين فئات المجتمع المغربي بين أغنياء يزدادون ثروة وفقراء يزدادون فقرا، فقد استفاد المحميون على نحو خاص من هذه الأوضاع وحققوا مكاسب مادية هامة في ظل احتفاظهم باحتكار المواد الحيوية وبيعها عندما تشتعل الأسعار مستغلين علاقتهم مع الأجانب واستضلالهم بالحماية القنصلية، « وقد لعب انحذابهم بالحماية دورا أساسيا في تسارعهم لوضع خبرتهم رهن إشارة شركائهم الجدد وفي إثرائهم المتواصل، وتراكم أرباحهم دون تعرضها للمصادرة ... وبذلك بدأت تتشكل نواة يجوز نعتها بالبورجوازية بصرف النظر عن ارتباطها العضوي بالقوى الاستعمارية» ²⁴. وفي المقابل تضرر الحرفيون بفعل منافسة المستوردات الأجنبية التي كانت تباع بأثمنة منخفضة، كما أفلس الكثير من التجار الصغار وتفاقم البؤس لدى شريحة العمال المأجورين وجمهور العاطلين والمتسولين ²⁵.
- أما على المستوى الاقتصادي:
فقد ضاع جزء هام من الثروة الحيوانية والطاقات البشرية وتقلصت الأراضي المنزرعة بفعل توالي الأزمات الطبيعية باختلاف تشكيلاتها، وكسدت التجارة المحلية لدى حرفيي المدن بسبب فقدان جزء هام من زبنائهم وبفعل تسرب المستوردات الأجنبية كما أسلفنا، وتفتقت الكثير من الأزمات المالية واصطدمت التجارة المغربية الخارجية بواقع انغلاق الأسواق الأجنبية بسبب فائض الانتاج الذي وسم بنية الاقتصاد الليييرالي الغربي. وأقسى ماسببته هذه الأزمات كعامل فاعل وأساسي تمثل في انهيار مداخيل الدولة المغربية التي أضحت بدون الموارد الكافية لبلورة الإصلاحات التحديثية ²⁶
- وفيما يخص المستوى السياسي:
فمن جهة ساهمت الأوبئة والطواعين في تغلغل الحكم المركزي وسلطة المخزن على أرجاء مختلفة من البلاد، فجراء مايتمخض عن هذه الأوبئة من خسائر خصوصا على المستوى البشري تتمهد البلاد أخيرا للسلطة بعد أن يفتك الوباء بالعناصر المناوئة لها من ثوار ومنازعين للسلاطين على الحكم، فالأوبئة تقوم في بعض الحالات بما تعجز عنه السلطة. فعلى سبيل المثال لا الحصر مهدت مجاعة 1825 م الظروف المناسبة أمام المولى عبد الرحمان لتقوية نفوذه إذ عصفت المجاعة بالثوار «فأنزل الله بهم فخلت بذلك النازل ديارهم وتشتت رمادهم وماتت مواشيهم وركبهم المحل ووقع فيهم الخلل وضعفت شوكتهم ... فعند ذلك تمهد الأمر للامير واستقام له النفير والمسير وتيسر له الأمر والنهي» كما يقول صاحب الابتسام ²⁷. لكن من جهة أخرى ففي مراحل استفحال الطواعين واشتداد الفاقات تتبدى أكثر نقمة القبائل على المخزن، وعادة ماتتزامن مع ثورات تبقى قاسية على المركز بسبب التكثل القبلي الهادف إلى إبعاد كل مظاهر القوة المركزية حيث يعتبر المخزن في مخيال القبائل آنذاك أساس كل البلايا والمحن، فقد تزامنت مثلا "واقعة ظيان" مع وباء 1819 م وهي المعركة التي انكسر فيها المخزن أمام ثوار الأطلس المتوسط، فبالتالي « لا يمكننا أن نتغافل عن رصد انعكاسات آثار الكوارث الطبيعية عن دراسة الأحداث السياسية والاجتماعية التي واكبتها...» ²⁸.
على سبيل الختام،
شكلت إجراءات الحجر الصحي بعض طرق العلاج المعتمدة في تفادي فتك الأوبئة والطواعين. وكثيرا ما عارضتها أدبيات بعض الفقهاء باعتبارها تدابير مستوردة من الغرب لايصح العمل بها. وكثيرا ما أثر هذا الموقف على السلاطين المغاربة وحال بينهم وبين اتخاد التدابير المناسبة من أجل الإصلاح في الجانب الصحي. وفي المقابل فإن بعض الشخصيات المغربية عبرت عن موقفها ورغبتها في السير بالإصلاح الصحي إلى الأمام في ظل تلك الأرضية المغربية المنكوبة بالأزمات الغدائية والآفات الصحية من طواعين وأوبئة مثل بوقليب والانفلوانزا وغيرها... إلا أن موقف الإصلاح الذي مثله على سبيل المثال النائب السلطاني "محمد بركاش" خلال القرن 19 لم يكن قد وجد الترحيب أو التشجيع من طرف السلطة بقدرما تعرض للتوبيخ من طرف السلطان الحسن الأول الذي يبدو من أقواله النهل الواضح من الأدبيات الفقهية والتأثر الجلي بخطابها، حيث أرسل لمحمد بركاش في إحدى المرات قائلا « وتعجبنا من قبولكم منهم (أي الأجانب) ذلك الكلام فضلا عن العمل به مع أنه مخالف لشريعتنا المطهرة، فإن المعتمد في ديننا أن لا عدوى ولا طيرة وأن الذي في أحاديث نبينا الصادق الصدوق صلى الله عليه وسلم أن لا يقدم على بلاد هو فيها ولا من بلاد ظهر فيها فرارا منه» (رسالة من مولاي الحسن إلى محمد بركاش، شتنبر 1878م) . من صميم هذه الرسالة فقط يمكن استنتاج أن العقلية النخبوية السائدة في مغرب ماقبل الاستعمار لم تشجع النخبة الحاكمة في تبني الإصلاح خصوصا في هذا الميدان الأكثر خطورة من كل الميادين، فتوالت المجاعات مع القحوط وفتكت الأوبئة بالأفراد والجماعات وتفشت الفاقة والفقر. مأساة استغلتها الرأسمالية الأجنبية لتزكية التغلغل الامبريالي، وبعض المحميين المغاربة لقضاء المصالح الشخصية في تربة اقتصادية منهكة ووضع ديموغرافي منهار ودولة على مشارف فقدان السيادة.
_هوامش:
¹: محمد الأمين البزاز، تاريخ الأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين 18 و 19، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، مطبعة النجاح الجديدة. الدار البيضاء، طبعة 1992م.
²: نفسه، ص 90
³: محمد الضعيف الرباطي، تاريخ الضعيف، ص 313، دار الماثورات، الرباط، تحقيق: أحمد العماري، الطبعة الأولى 1986.
⁴: محمد الأمين البزاز، م. س، ص 90.
⁵: نفسه، ص 91.
⁶: محمد الضعيف، م.س، ص 315.
⁷: محمد الأمين البزاز، م.س ص 98 - 99 .
⁸: نفسه، نقلا عن الزياني، م.س، ص116.
⁹: نفسه، ص 117.
¹⁰: أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (إينولتان 1850- 1912)، ص 197، رسائل وأطروحات، منشورات كلية الآداب بالرباط، ط 2011.
¹¹: محمد الأمين البزاز، م.س، ص 122- 123.
¹²: نفسه، نقلا عن صاحب تذكرة المحسنين، م.س ص 174.
¹³: نفسه، رسالة من السلطان عبد الرحمن بن هشام إلى عامله بتطوان محمد أشعاع، ص175.
¹⁴: نفسه، نقلا عن المختار السوسي، ص 185- 186.
¹⁵: نفسه، ص 170- 171.
¹⁶: نفسه، ص174.
¹⁷: نفسه، ص 184.
¹⁸: الناصري، الاستقصاء، ص69، ج9، دار الكتاب، الدار البيضاء، تحقيق: جعفر الناصري ومحمد الناصري، 1997.
¹⁹: محمد الأمين البزاز، م. س، ص 190.
²⁰: نفسه، ص 175.
²¹: نفسه، ص 242- 243.
²²: نفسه، ص 231.
²³: أحمد التوفيق، مرجع سابق، ص 85.
²⁴: محمد كنبيب، المحميون، ص 204، كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط، منشورات باب أنفا، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، الطبعة الأولى 2011.
²⁵: محمد الأمين البزاز، م. س، ص 233.
²⁶: نفسه، ص 232.
²⁷: نفسه، ص 135.
²⁸: نفسه، ص 134.
عن الطالب: مبارك أشاوي
كلية الآداب والعلوم الإنسانية ابن زهر أكادير.


عمل جيد.👍🏻
ردحذفمزيدا من العطاء 👏👏
ردحذفعمل جيد
ردحذفموفق إن شاء الله